أبو علي سينا
199
القانون في الطب ( طبع بيروت )
المعتدل المزاج إذا ولد ، فقد قال جماعة من الفضلاء : أنه يجب أن يبدأ أول شيء بقطع سرته فوق أربع أصابع ، وتربط بصوف نقي فتل فتلًا لطيفاً كي لا يؤلم وتوضع عليه خرقة مغموسة في الزيت . ومما أمر به في قطع السرة أن يؤخذ العروق الصفر ودم الأخوين والأنزروت والكمون والأشنة والمر أجزاء سواء تسحق وتذر على سرته ، ويبادر إلى تمليح بدنه بماء الملح الرقيق لتصلب بشرته وتقوى جلدته . وأصلح الأملاح ما خالطه شيء من شادنج وقسط وسماق وحلبة وصعتر ولا يملح أنفه ولا فمه . والسبب في إيثارنا تصليب بدنه ، أنه في أول الأمر يتأذى من كل ملاق يستخشنه ويستبرده ، وذلك لرقة بشرته وحرارته فكل شيء عنده بارد وصلب وخشن ، وإن احتجنا أن نكرر تمليحه ، وذلك إذا كان كثير الوسخ ، والرطوبة فعلنا ثم نغسله بماء فاتر وننقي منخريه دائما بأصابع مقلمة الأظفار ، ونقطر في عينيه شيئاً من الزيت ويدغدغ دبره بالخنصر لينفتح ، ويتوقى أن يصيبه برد ، وإذا سقطت سرته وذلك بعد ثلاثة أيام أو أربعة ، فالأصوب أن يذر عليه رماد الصدف ، أو رماد عرقوب العجل أو الرصاص المحرق مسحوقاً أيها كان بالشراب . وإذا أردنا أن نقمطه فيجب أن تبدأ القابلة وتمس أعضاءه بالرفق ، فتعرض ما يستعرض ، وتدق ما يستدق وتشكّل كل عضو على أحسن شكله كل ذلك بغمز لطيف بأطراف الأصابع . ويتوالى في ذلك معاودات متوالية وتديم مسح عينيه بشيء كالحرير ، وغمز مثانته ليسهل انفصال البول عنها ثم نفرش يديه ، وتلصق ذراعيه بركبتيه وتعمّمه أو تقلنسه بقلنسوة مهندمة على رأسه ، وتنومه في بيت معتدل الهواء ليس ببارد ولا حار ، ويجب أن يكون البيت إلى الظل والظلمة ما هو لا يسطع فيه شعاع غالب . ويجب أن يكون رأسه في مرقده أعلى من سائر جسده ، ويحفر أن يلوي مرقده شيئاً من عنقه وأطرافه وصلبه . ويجب أن يكون إحمامه بالماء المعتدل صيفاً وبالمائل إلى الحرارة الغير اللاذعة شتاء وأصلح وقت يغسل ويستحم به هو بعد نومه الأطول ، وقد يجوز أن يغسل في اليوم مرتين أو ثلاثة وأن ينقل بالتدريج إلى ما هو أضرب إلى الفتور إن كان الوقت صيفاً . وأما في الشتاء فلا يفارقن به الماء المعتدل الحرارة ، وإنما يحمّم مقدار ما يسخن بدنه ويحم ثم يخرج ويصان سماخه عن سبوق الماء إليه . ويجب أن يكون أخذه وقت الغسل على هذه الصفة وهو أن يؤخذ باليد اليمنى على الذراع الأيسر معتمدا على صدره دون بطنه ، ويجتهد في وقت الغسل أن تمس راحتاه ظهره وقدمه رأسه بلطف وبرفق ، ثم تنشفه بخرقة ناعمة وتمسحه بالرفق وتضجعه أولًا على بطنه ، ثم على ظهره ولا يزال مع ذلك يمسح ويغمز ويشكل ، ثم يرد فيعصب في خرقة ويقطر في أنفه الزيت العذب ، فإنه يغسل عينيه وطبقاتهما .